السيد هاشم البحراني
457
البرهان في تفسير القرآن
وأن معاوية بن صخر زعم أني رأيته للخلافة أهلا ، ولم أر نفسي لها أهلا ! فكذب معاوية ، وأيم الله لأنا أولى الناس بالناس في كتاب الله ، وعلى لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، غير أنا لم نزل أهل البيت مخيفين ، مظلومين ، مضطهدين منذ قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا ، ونزل على رقابنا ، وحمل الناس على أكتافنا ، ومنعنا سهمنا في كتاب الله من الفيء والغنائم ، ومنع امنا فاطمة ( عليها السلام ) إرثها من أبيها . إنا لا نسمي أحدا ، ولكن اقسم بالله قسما تاليا ، لو أن الناس سمعوا قول الله عز وجل ورسوله لأعطتهم السماء قطرها ، والأرض بركتها ، ولما اختلف في هذه الأمة سيفان ، ولأكلوها خضراء خضرة إلى يوم القيامة ، وما طمعت فيها ، يا معاوية ، ولكنها لما أخرجت سالفا من معدنها ، وزحزحت عن قواعدها تنازعتها قريش بينها ، وترامتها كترامي الكرة ، حتى طمعت فيها أنت - يا معاوية - وأصحابك من بعدك ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ما ولت أمة أمرها رجلا قط ، وفيهم من هو أعلم منه ، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا . وقد تركت بنو إسرائيل - وكانوا أصحاب موسى - هارون أخاه وخليفته ووزيره ، وعكفوا على العجل ، وأطاعوا فيه سامريهم ، وهم يعلمون أنه خليفة موسى ، وقد سمعت هذه الأمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول ذلك لأبي ( عليه السلام ) : إنه مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . وقد رأوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين نصبه لهم بغدير خم ، وسمعوه ، ونادى له بالولاية ، ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب ، وقد خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حذرا « 1 » من قومه إلى الغار - لما أجمعوا على أن يمكروا به وهو يدعوهم - لما لم يجد عليهم أعوانا ، ولو وجد عليهم أعوانا لجاهدهم . وقد كف أبي يده ، وناشدهم ، واستغاث أصحابه ، فلم يغث ، ولم ينصر ، ولو وجد عليهم أعوانا ما أجابهم ، وقد جعل في سعة كما جعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) في سعة . وقد خذلتني الأمة وبايعتك - يا ابن حرب - ولو وجدت عليك أعوانا يخلصون ما بايعتك ، وقد جعل الله عز وجل هارون في سعة حين استضعفه قومه وعادوه ، كذلك أنا وأبي في سعة من الله حين تركتنا الأمة وتابعت « 2 » غيرنا ، ولم نجد عليهم أعوانا ، وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضا . أيها الناس ، إنكم لو التمستم بين المشرق والمغرب رجلا جده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأبوه وصي رسول الله لم تجدوا غيري وغير أخي ، فاتقوا الله ، ولا تضلوا بعد البيان ، وكيف بكم ، وأنى ذلك لكم ؟ ألا وإني قد بايعت هذا - وأشار إلى معاوية - وإِنْ أَدْرِي لَعَلَّه فِتْنَةٌ لَكُمْ ومَتاعٌ إِلى حِينٍ ) * « 3 » . أيها الناس ، إنه لا يعاب أحد بترك حقه ، وإنما يعاب أن يأخذ ما ليس له ، وكل صواب نافع ، وكل خطأ ضار لأهله ، وقد كانت القضية ففهمها سليمان ، فنفعت سليمان ، ولم تضر داود ، وأما القرابة فقد نفعت المشرك ، وهي والله للمؤمن أنفع ، قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعمه أبي طالب وهو في الموت : قل لا إله إلا الله أشفع لك بها يوم
--> ( 1 ) في المصدر : حذارا . ( 2 ) في المصدر : وبايعت . ( 3 ) الأنبياء 21 : 111 .